نعم أخي القارئ لا تستعجب فاللمقاهي دور فاعل في نشر المعرفة ، وأنا أقصد ما أقول ، وهذا الدور نُبهت إليه بعد
مشاهدتي لأحد محاضرات تيد – Ted Talks : وهي منظمة معنية بنشر الأفكار الإبداعية – والتي أثار مقدمها سؤالاً مهماً لنا وهو “ من أين تأتي الأفكار الجيدة ؟ “ ، فكر في هذا السؤال للحظة ، للتأكد من أهميته .

مقدم هذا العرض واسمه ستيف جونسون يقول بأننا ندرك أهمية السؤال لأننا نريد أن نكون مميزين و مبدعين و مطورين لمؤسساتنا الاجتماعية منها والإقتصادية ، ويكمل ستيف ليقول :
“ لقد بدأت بالإجابة على هذا السؤال من المنظور البيئي ، ماهي تلك المساحات التي سمحت لنا بتطوير أفكار ابداعية و مميزة ؟ وقد وجدت أن هناك نمط يتكرر مراراً وتكراراً عند طرح أي فكرة ابداعية بل و ثورية ، وقد سميت أحد هذه الأطوار “ بلحظة إلهام ، slow hunch “ حيث تظهر لنا أفكاراً من حيث لاندري ، وفي أماكن غير متوقعة على الإطلاق”

ويكمل ستيف ويقول بأن الأفكار الجيدة دائماً تأخذ وقت طويل حتى تتبلور و تتطور حيث تبقى أسيرة للعقل و لانعرف كيف نخرجها للواقع ، فيذكر بأن الأفكار المتميزة تأخد سنتين أو ثلاثة بل حتى عقد أو عقدين من الزمن حتى تنمو وتتطور لتكون ذا فائدة و تستحق منا القراءة والتطبيق .

ويقول بأن هذه الأفكار الجيدة تأتي بسبب التحام عدة لحظات إلهامية أو كما وصفها باللغة الإنجليزية “ the collision of small hunches “ ، لينتج عن هذا الالتحام فكرة كبيرة تكون أكبر من هاتين اللحظتين الالهامية . وبهذا المنطق يفسر ستيف سبب وجود أفكار ثورية يتشارك فيها أكثر من طرف ، بحيث يملك أحد الأطراف نصف هذه الفكرة ويملك الآخر النصف الثاني ، ويطرح الشبكة العنكبوتية “ World Wide Web “ كمثال على ذلك فيقول بأن مخترع الشبكة العنكبوتية “ تيم يبرنرز لي ، Tim Berners-Lee “ عمل على هذا المشروع لمدة عشر سنوات ، لكن عند بدايته في هذا المشروع ، فهو لم يكن يملك رؤية واضحة عن ما يريد إنجازه ، فقد بدأ تيم بالعمل بمشروع صغير جانبي لترتيب البيانات التي لديه إلا أنه تخلى عنه ، ليبدأ بمشروع جانبي ثاني إلا أنه تخلى عنه ، ليبدأ بمشروع صغير ثالث إلا أنه كذلك تخلى عنه ، رغم أنه تخلى عن هذه المشاريع الثلاثة ، إلا أنها بقيت في عقله مكونة فكرة رئيسية كبيرة ، حيث وصف ستيف هذه الفكرة بأنها نتيجة لتمازج هذه الأفكار التي “ فقست “ – بتعبير ستيف – فكرة واضحة المعالم .

مايريد ستيف قوله هو بأن الأفكار الناجحة تحتاج إلى تلاحم عدة أفكار رائعة ، حيث قد نملك في عقولنا فكرة جميلة إلا أنها تحتاج إلى فكرة أخرى مكملة لهذه الفكرة والتي قد تكون موجودة في عقول آخرين ، وحتى يتم هذا التلاحم ، إحتجنا المقاهي .

يقول ستيف بأن المقاهي وفرت جوً ممتازاً لتبادل الأفكار ، والتلاعب بها ، ومزجها ، فكانت مكاناً خصباً لإنطلاق أفكار ثورية أثرت على العالم . فيقول أن سبب نهضة أوروبا العلمية هي نتاج افتتاح بيوت القهوة ، فبحسب ستيف ، فإن الإنسان الأوروبي كان لا يشرب إلا الخمور بسبب عدم انتشار القهوة والشاي ، وبسبب حالة الشكر المستمرة، فإن إنسان ذلك الوقت بقي في حالة من اللاوعي لا تسمح له بالتفكير ، وبحسب ستيف ، فإن افتتاح هذه المقاهي ساهم في انتشار القهوة والشاي في انجلترا – وهي الدولة التي طرحها كمثال – ليتحول الإنسان الانجليزي من حالة اللاوعي إلى حالة من الوعي ، ومن حالة الاكتئاب إلى حالة التحفز .

يرى ستيف بأن عصرنا هو عصر التواصل حيث الإنترنت و هوسنا الواضح به ، فيقول بأن معظم الأفكار الثورية تأتي من زيادة التواصل بين البشر ، لتكون لنا فرصة أكبر في سماع الأفكار ، تبنيها و استعارة و مزج تلك الأفكار ، لنصل إلى مرحلة نقوم بمزج لحظاتنا الإلهامية بلحظات الآخرين الإلهامية لتتبلور لدينا فكرة تستحق النشر .

إلا أن ستيف يؤكد بأننا نعيش في مرحلة من التشتت الفكري ، حيث زادت كمية التواصل نظراً للإزدياد المطرد لوسائل التواصل ، لكنه يؤكد أن احتماليات إنجاز أفكار رائعة قد زادت و بدأت تأخذ وقتاً أقصر لتتبلور .

إذن نخلص إلى ما يلي : الأفكار الجيدة هي نتاج لحظات إلهام متعددة إلتحمت مع بعضها فولدت فكرة رائعة تستحق النشر ، وحتى تلتحم هذه الأفكار نحتاج إلى جمع هذه الأفكار من مصادر متعددة مثل الأفراد المختلفين ، وحتى تُجمع هذه الأفكار ، إحتجنا إلى زيادة مقدار التواصل ، فكانت المقاهي سبباً لزيادة هذا التواصل في وقت مضى وحتى وقتنا الحالي ، رغم أن وقتنا الحالي استبدل المقاهي بالشبكات الإجتماعية ، فبسبب الانترنت اصبح تطوير الأفكار يأخذ وقت أقل مما كان عليه . لينتج عن التحام الأفكار فكرة رئيسية رائعة تستحق النشر وإطلاع العالم عليها

متمنياً لكم لحظات إلهام لا نهاية لها

لمشاهدة المحاضرة :

http://www.youtube.com/watch?v=0af00UcTO-c

بواسطة : محمد الجهني

شاهد جميع مقالات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك المُفضل